تعد مهارة تقبل قص الشعر لدى ذوي طيف التوحد والاضطرابات التطورية الأخرى من التحديات السلوكية التي تتطلب دقة في التصميم البيئي والتدخل السلوكي؛ فهي تجمع بين المثيرات السمعية، اللمسية، والبصرية المعقدة. ومن خلال تطبيق استراتيجيات تحليل السلوك التطبيقي (ABA)، يمكننا تحويل هذه التجربة من مصدر للقلق الحسي إلى مهارة وظيفية ناجحة.
وبناءً على هذا المنطلق، يبرز السؤال الجوهري: لماذا يمثل هذا الإجراء الروتينبي تحديًا كبيرًا لهذه الفئة تحديدًا؟
غالبًا ما يعاني الأطفال المصابون بالتوحد من حساسية حسية متزايدة (Sensory Overload). فالأضواء الساطعة في الصالونات، وصوت الماكينات، واللمس الجسدي غير المتوقع، كلها مثيرات قد تُعالج في الدماغ كإشارات خطر سلوكيات تجنبية.. علاوة على ذلك، فإن البيئة غير المألوفة لصالون الحلاقة تكسر الروتين المعتاد، مما يولد قلقًا ناتجًا عن عدم القدرة على التنبؤ بالخطوة التالية.
ولأجل تجاوز هذه العقبات، يطرح المختصون في علم تحليل السلوك التطبيقي (ABA) مقارنات منهجية لاختيار بيئة التدريب الأمثل.
|
وجه المقارنة |
التدريب المنزلي (Home-Based) |
التدريب في المراكز (Center-Based) |
|
الواقعية البيئية |
عالية جداً؛ حيث يتدرب الطفل في بيئته الطبيعية. |
أقل؛ بيئة مصطنعة قد يصعب تعميمها لاحقًا. |
|
الضبط البيئي |
متوسط؛ لوجود مشتتات منزلية طبيعية. |
عالٍ جدًا؛ حيث يتم التحكم في كل مثير حسي. |
|
التوصية المهنية |
يُفضل للبدء بتقليل الحساسية الأولي. |
يُفضل للحالات التي تعاني من سلوكيات تحدي شديدة. |
نعتمد هنا على منهجية قائمة على الأدلة العلمية لتحويل هذا التحدي إلى مهارة مكتسبة، ودمجها ضمن برامج تعديل السلوك الشاملة.
وبناءً على هذه المعطيات، نبدأ بتوضيح ركائز العمل الميداني:
يبدأ النجاح من مرحلة ما قبل الذهاب للصالون، بتحويل الموقف من مثير مجهول إلى سلسلة من الأحداث المتوقعة من خلال التقنيات التالية:
القصص الاجتماعية: صياغة قصة تصف تسلسل الأحداث بدقة، مع التركيز على المثيرات الحسية، مثل: ملمس الماء أو صوت الماكينة؛ لتهيئة الطفل نفسيًا.
النمذجة بالفيديو (Video Modeling): عرض فيديوهات لنموذج سواء كان الطفل نفسه في محاكاة ناجحة أو أقران له (Peer Modeling) وهو يحصل على قص شعر بهدوء.
الجداول البصرية: استخدام جدول أولًا/ثم (First/Then) لربط الانتهاء من القص بالحصول على المعزز.
وعلاوة على هيكلة التوقعات، يجب العمل على الجانب الحسي من خلال بروتوكول منظم.
نستخدم هنا مبدأ التقريبات المتتالية (التشكيل - Shaping) لتعريض الطفل للمثيرات بشكل لا يسبب الهلع:
التعرض للأدوات: البدء بلمس المشط والمقص المغلَق في المنزل، ثم تشغيل صوت ماكينة الحلاقة عن بُعد وزيادة القرب تدريجيًا.
التدريب التدريجي على ارتداء رداء الحلاقة: يتم التدريب على ارتداء غطاء الحلاقة/ الكيب cape في بيئة آمنة مثل: المنزل أو غرفة الجلسات لفترات زمنية تزداد تدريجيًا مع تقديم التعزيز.
زيارات استكشافية: القيام بزيارات للصالون تقتصر على السلام على الحلاق أو الجلوس على الكرسي دون إجراء أي قص، لتعميم الألفة مع المكان.
وبالتوازي مع هذه التدريبات، ننتقل إلى مرحلة التطبيق في السياق الواقعي.
يجب دمج المهارات في السياق الواقعي مع مراعاة العتبة الحسية للطفل، من خلال:
تعديل المثيرات: استخدام سماعات عازلة للضوضاء إذا كان صوت المقص يسبب انزعاجًا، أو اختيار أوقات هادئة في الصالون؛ لتقليل المثيرات البصرية والسمعية الجانبية.
أدوات التنظيم الذاتي: توفير ألعاب تململ (Fidgets) أو أدوات ضغط عميق (Deep Pressure) لزيادة قدرة الطفل على البقاء ساكنًا.

يتم تقسيم المهمة الكبيرة إلى مهارات صغرى قابلة للقياس، بمشاركة فريق الدعم الذي يضم المعلم والاختصاصي الاجتماعي:
|
الخطوة الإجرائية |
الهدف السلوكي |
دور فريق الدعم |
|
الجلوس |
البقاء هادئًا على الكرسي لمدة 3 دقائق. |
المعلم: التعزيز في غرفة المصادر/المدرسة. |
|
التحمل الحسي |
تقبل ملامسة المشط للشعر بدون سحب. |
الاختصاصي الاجتماعي/السلوكي: تهيئة الأهل للمتابعة المنزلية. |
|
الاستجابة للصوت |
تقبل صوت الماكينة من مسافة قريبة. |
فني السلوك: رصد البيانات الرقمية للتقدم. |
|
التعاون الوظيفي |
إكمال قص أقسام الشعر المحددة. |
الفريق: تقديم المكافأة الكبرى فور الانتهاء. |
التعزيز هو المحرك الأساسي لزيادة السلوكيات البديلة والتعاونية، على النحو الآتي:
التعزيز الفوري: تقديم معززات بسيطة، مثل: قطعة صغيرة من مفضلاته أو مديح اجتماعي مكثف بعد كل خطوة بنجاح، مثلًا: بعد قص غرة الشعر فقط.
الاقتصاد الرمزي (Token Economy): جمع ملصقات أو رموز مقابل كل دقيقة من الهدوء، تُستبدل بمعزز كبير بعد الانتهاء تمامًا.
لضمان استدامة النتائج، يجب أن يمتد التدخل ليشمل المحيطين بالطفل:
تدريب الحلاق: تزويد الحلاق بتوجيهات بسيطة، مثلًا: عدم لمس الأذن فجأة، أو استخدام جمل قصيرة وواضحة.
تنسيق الفريق التربوي: إدراج مهارة تحمل الحلاقة كهدف سلوكي في الخطة الفردية (IEP)، والعمل على تعميمه مع أكثر من فني حلاقة وفي أماكن مختلفة.
وفي سياق اختيار مقدم الخدمة، يفضل دائماً التعامل مع معالج ABA معتمد (IBA / QBA/QASP-S) لضمان جودة تحليل البيانات.
شهادة ولية أمر: "بفضل برامج تعديل السلوك التي ركزت على تقليل الحساسية في المنزل واستخدام فيديوهات نمذجة الأقران، أصبح ابني الآن يجلس بمفرده ويختار لون رداء الحلاقة الذي يفضله، الدقة في تحليل المهام كانت هي الفارق الحقيقي."
كم تستغرق مدة التطبيق حتى نصل للإتقان؟
-تتراوح عادة بين 4 إلى 12 أسبوعًا، اعتمادًا على الملف الحسي للطفل ومدى استمرارية الأهل في التدريب.
ما هو دور الأهل والاختصاصي الاجتماعي في هذه العملية؟
-دورهم يكمن في تطبيق خطوات التعميم (Generalization) والتنسيق بين المنزل والمركز لضمان وحدة المعايير السلوكية.
هل يمكن تطبيق هذه الاستراتيجيات في المدرسة؟ بالتأكيد؛ يمكن للمعلم تضمينها كهدف في الخطة التربوية الفردية (IEP)، حيث يتم ممارستها كجزء من مهارات العناية بالذات.
ما هي أفضل أدوات القياس لتتبع التقدم؟
-نوصي باستخدام تطبيقات تسجيل البيانات الرقمية لرصد انخفاض سلوكيات الرفض وزيادة مدة الجلوس الهادئ.
ما الفرق بين التدريب المنزلي والمركز؟
-المنزلي يركز على الواقعية والتعميم، بينما المركز يوفر ضبطًا بيئيًا أعلى للحالات الشديدة.
توصيتنا لكم، إن الهدف من هذه الاستراتيجيات ليس فقط الحصول على قصة شعر، بل هو تعزيز استقلالية الطفل وقدرته على التكيف مع المتطلبات الاجتماعية والحياتية بأقل قدر من الضغوط. نجاح العملية يعتمد على المنهجية العلمية والالتزام بجمع البيانات الدقيقة والصبر.
إذا كنتم تواجهين تحديات في تطبيق برامج تعديل السلوك الخاصة بمهارات الحياة اليومية
لا تترك الأمر للمصادفة،احصل الآن على استشارة سلوكية متخصصة وتصميم خطة تربوية فردية (IEP) مدعومة بأدوات التحليل الرقمي؛ لضمان تقدم طفلك في مهارات مثل: قص الشعر، تواصلِ معنا اليوم لنرسم معاً مسار الاستقلالية.
المصادر:
alonbehaviorconsulting.com
bluegemsaba.com
htheautismcafe.com
لاتوجد تعليقات