عدم تحمل الطعام لدى أطفال التوحد - الأسباب والحلول العملية

هل تحول وقت الوجبات إلى تحدٍ مستمر بسبب رفض طفلك للطعام أو معاناته من مشاكل هضمية ونوبات غضب؟ هذا الموقف مألوف للكثير من أسر أطفال التوحد، فالعلاقة بين التوحد وتفاعل الجسم السلبي بعدم تحمل مع بعض الأطعمة قوية جدًا وغالبًا ما تُهمل.

الخطوة الأولى تبدأ من هنا: إدراك أن المشكلة قد تكمن في عدم تقبل الطعام أو الاستجابة الغذائية غير الطبيعية، والتعرف عليها هو بداية الحل الفعلي.

لماذا يعد الغذاء مهمًا للأطفال المصابين بالتوحد؟

تتفرد احتياجات الأطفال المصابين باضطراب طيف التوحد بتنوعها الكبير، وينسحب هذا التميز بوضوح على أنظمتهم الغذائية، بصفتنا مقدمي رعاية ومعالجين، ندرك تمامًا أن الغذاء ليس مجرد مصدر للطاقة، بل هو محرك حيوي قد يحفز استجابة غير طبيعية للطعام تؤدي لتغيرات سلوكية إن فهمنا لكيفية اختيار الطفل لسلوكيات تجنب الطعام يمكن تفسيره عبر قانون المطابقة في ABA، حيث يهرب الطفل من الألم الجسدي الناتج عن الغذاء غير المناسب بتبني سلوكيات رفض حادة.

 إن فهمنا العميق للعلاقة بين ما يتناوله الطفل وصحته العامة خاصة فيما يتعلق بحالات عدم تحمل الطعام والحساسية المفرطة  يمثل حجر الزاوية في تقديم دعم فعال، فتلك المشكلات الهضمية لا تتوقف عند حدود الألم الجسدي، بل قد تمتد لتظهر في صورة تقلبات مزاجية حادة، مما يجعل تحديد هذه المسببات الغذائية خطوة جوهرية للارتقاء بجودة حياة الطفل واستقراره.

تأثير عدم تحمل الطعام على الأطفال المصابين بالتوحد

تشير الدراسات إلى أن الأطفال المصابين بالتوحد أكثر عرضةً للإصابة بردود فعل تحسسية تجاه الطعام مقارنةً بأقرانهم غير المصابين. تبلغ نسبة هذه الردود لدى الأطفال المصابين باضطراب طيف التوحد 16%، مقابل 2% فقط لدى الأطفال غير المصابين. وتُلاحظ حساسية الطعام تحديدًا لدى 7% من الأطفال المصابين بالتوحد، مقارنةً بـ 1% فقط في عموم السكان.وغالبًا ما ترتبط هذه الحالات بحساسية الغلوتين (السيلياك) أو حساسية اللاكتوز. 

تشمل أكثر أنواع عدم تحمل الطعام شيوعًا لدى الأطفال المصابين باضطراب طيف التوحد ما يلي:

  • أكثر مسببات عدم تحمل الطعام شيوعًا لدى أطفال التوحد

نوع الطعام

نسبة عدم التحمل

التأثير المحتمل

البيض

84.27%

اضطرابات هضمية، طفح جلدي خفيف، أو تغير سلوكي.

الحليب

65.17%

انتفاخ، غازات، وعدم راحة تؤدي لنوبات غضب.

القمح

38.20%

خمول، تشوش ذهني (Brain Fog)، أو اضطراب في الإخراج.

يمكن أن تسبب هذه التفاعلات عدم الراحة في الجهاز الهضمي وتؤدي إلى سلوكيات صعبة، مما يضيف طبقة أخرى إلى تربية طفل مصاب باالتحديات الصحية المرتبطة بعدم تحمل الطعام.

التحديات الصحية المرتبطة بالتقييد الغذائي

إن فهم الآثار الصحية لعدم تحمل الطعام لدى الأطفال المصابين بالتوحد يساعدنا على الاستجابة بشكل أفضل، ومن أبرز المخاوف: السمنة وأعراض الجهاز الهضمي، وكلاهما شائع لدى الأطفال المصابين باضطراب طيف التوحد.

السمنة والتوحد

يُعدّ الأطفال المصابون بالتوحد أكثر عرضةً للإصابة بالسمنة، ويرتبط ذلك غالبًا بأنظمة غذائية محدودة، وعدم تحمل بعض الأطعمة، وانخفاض مستوى النشاط البدني، يمكن أن يُحدث التعامل مع هذه المشكلات من خلال خيارات غذائية مدروسة فرقًا حقيقيًا. 

عندما تحدّ حساسية الطعام من الخيارات الصحية، قد يلجأ الأطفال إلى الأطعمة المصنعة عند غياب المنتجات الغذائية البديلة والغنية بالسعرات الحرارية، وهذا قد يؤدي إلى زيادة الوزن ونقص الفيتامينات والمعادن الأساسية، مما يؤثر بدوره على مستويات الطاقة والصحة العامة.

أعراض الجهاز الهضمي

تُعدّ مشاكل الجهاز الهضمي شائعة جدًا بين الأطفال المصابين بالتوحد، إذ يعاني الأطفال من أعراض ومشاكل هضمية أكثر بأربع مرات مقارنةً بالأطفال غير المصابين بالتوحد، غالبًا ما تنجم هذه الأعراض عن عدم تحمل بعض الأطعمة، ومعالجة هذه المشاكل عبر الأنظمة الغذائية البديلة يحسن السلوك فورًا.

تأثير الغذاء على الجهاز الهضمي والسلوك.

مرة أخرى، تشمل أكثر أنواع عدم تحمل الطعام شيوعًا البيض والحليب والقمح، لذا عندما يتناول الأطفال أطعمة لا يتحملها جسمهم، قد يؤدي ذلك إلى الانتفاخ أو الألم أو حتى تغيرات في المزاج، وغالبًا ما يؤدي معالجة مشاكل الجهاز الهضمي من خلال تغييرات مدروسة في النظام الغذائي إلى تحسين السلوك والشعور بالراحة.

التعرف على العلامات، كيف تكتشفين عدم تحمل الطعام؟

إذن، كيف تعرفين ما إذا كان طفلك يعاني من حساسية تجاه الطعام؟ قد يكون تشخيص حساسية الطعام لدى الأطفال المصابين بالتوحد صعبًا، إذ قد تخفي تجاربهم الحسية الفردية وأساليب تواصلهم أعراضًا نموذجية أو تحاكيها، وبسبب تحديات التواصل، قد لا يعبر الطفل لفظياً عن ألمه، لذا راقبي:

الأعراض الجسدية

غالبًا ما يعاني الأطفال المصابون بحساسية الطعام من مشاكل في الجهاز الهضمي، بما في ذلك:

  • عدم الراحة في البطن: الشكاوى من ألم في المعدة أو ظهور علامات واضحة على الانزعاج بعد تناول الطعام.

  • عدم انتظام حركة الأمعاء: عدم انتظام الإخراج على شكل نوبات من الإسهال أو الإمساك أو التناوب بينهما.

  • انتفاخ وغازات: تورم ملحوظ في البطن أو غازات مفرطة.

يُعدّ التعرف على العلامات أمرًا بالغ الأهمية لتحسين صحتهم وأدائهم اليومي.

المؤشرات السلوكية

قد تظهر حالات عدم تحمل الطعام أيضًا من خلال تغيرات سلوكية، مثل:

  • زيادة في سرعة الانفعال: ازدياد التوتر أو تقلبات المزاج بعد تناول الوجبات، قد تكون نوبات الغضب المفاجئة بعد الأكل ليست مجرد عناد، بل صرخة ألم جسدية؛ لذا من المهم ربط هذه السلوكيات بوظائف السلوك الأربع للتأكد ما إذا كان السلوك دافعه (الهروب) من عدم الارتياح المعوي.

  • اضطرابات النوم: صعوبة في النوم أو الاستمرار فيه، وقد يكون ذلك مرتبطًا بعدم الراحة.

  • تغيرات في مستويات النشاط: خمول غير معتاد أو فرط نشاط بعد تناول الطعام.

قد تكون هذه التحولات السلوكية طفيفة وتتطور تدريجيًا، مما يتطلب مراقبة دقيقة.

الحساسيات الحسية

غالباً ما يعاني الأطفال المصابون بالتوحد من حساسية حسية مفرطة، مما قد يؤثر على ردود أفعالهم تجاه بعض الأطعمة:

  • النفور من الملمس: رفض شديد أو ردود فعل سلبية تجاه أنواع معينة من ملمس الطعام.

  • تفضيلات درجة الحرارة: الإصرار على أن تكون الأطعمة بدرجة حرارة معينة.

  • اللون والعرض: تفضيل الأطعمة ذات الألوان المحددة أو المرتبة بطريقة معينة.

قد تؤدي هذه التفضيلات إلى نظام غذائي محدود، مما قد يؤدي إلى تفاقم نقص العناصر الغذائية.

تحديات التواصل

قد يعبر الأطفال غير الناطقين أو ذوي مهارات التواصل المحدودة عن انزعاجهم من خلال:

  • الإشارات غير اللفظية: تعابير الوجه، أو الإيماءات، أو الأصوات التي تدل على الضيق.

  • نوبات الغضب: نوبات الغضب أو السلوكيات المؤذية للذات كتعبير عن الانزعاج.

  • سلوكيات التجنب: رفض تناول الطعام أو دفعه بعيدًا دون تفسير.

يتطلب التعرف على هذه العلامات مراقبة دقيقة ونهجًا تعاونيًا مع المتخصصين في الرعاية الصحية، ويمكن أن يساعد الاحتفاظ بسجلات مفصلة عن تناول الطعام وردود الفعل اللاحقة في تحديد الأنماط والمثيرات المحددة، مما يؤدي إلى استراتيجيات إدارة أكثر فعالية.

استراتيجيات فعّالة لمساعدة طفلك على النمو والتطور

بعد أن استعرضنا التحديات، دعونا نتحدث عما يمكننا فعله،  تبدأ إدارة عدم تحمل الطعام لدى الأطفال المصابين بالتوحد بالوعي وتستمر بخطوات عملية يومية.

استراتيجيات غذائية ذكية

إن تطبيق هذه الاستراتيجيات في المنزل يمكن أن يحدث فرقاً كبيرًا:

  • الحميات الغذائية بالاستبعاد التدريجي: ابدأ بإزالة أكثر الأطعمة المسببة للحساسية شيوعًا - البيض والحليب والقمح - ولاحظ ما إذا كانت الأعراض تتحسن، أعد إدخال الأطعمة تدريجيًا، نوعًا واحدًا في كل مرة؛ لتحديد المثيرات.

  • التغذية المتوازنة: بمجرد تحديد المسببات، ركز على بناء نظام غذائي غني بالعناصر الغذائية مع أطعمة يتحملها الطفل، فكر في الفواكه والخضراوات والحبوب الكاملة والبروتينات الخالية من الدهون التي تلبي احتياجات طفلك.

  • مراقبة الأعراض: احتفظي بمفكرة طعام وأعراض لطفلك، لاحظي ما يأكله وكيف يستجيب، هذا قد يكشف عن أنماط معينة ويساعد في توجيه التغييرات.

  • التغيرات البطيئة والثابتة: يساعد إدخال الأطعمة الجديدة تدريجيًا على تقليل القلق ويزيد من فرص تقبلها، الصبر هو المفتاح هنا، لتقليل التوتر عند تقديم صنف غذائي جديد، يمكنكِ استخدام الجداول المرئية للتوحد لشرح روتين الوجبة للطفل، مما يجعله أكثر تقبلاً للتغيير الغذائي التدريجي.

في المدرسة والحضانة: شاركي قائمة "الأطعمة الممنوعة" مع المعلمين لضمان بيئة آمنة.

المناسبات الاجتماعية والسفر: اصطحبي معكِ دائماً بدائل غذائية (مثل الحليب النباتي أو خبز خالٍ من الغلوتين) لتجنب الطوارئ الصحية.

الحصول على الدعم المناسب

لست مضطراً لحل كل شيء بمفردك، يمكن للمختصين تقديم التوجيه اللازم.

  • أخصائيو التغذية: يمكن لأخصائي التغذية المسجل للأطفال المساعدة في وضع خطة متوازنة تتجنب عدم تحمل الطعام ولكنها لا تزال تلبي جميع الاحتياجات الغذائية.

  • أخصائيو الحساسية: يمكن للاختبار مع أخصائي الحساسية تأكيد أو استبعاد أنواع معينة من الحساسية الغذائية وعدم تحمل الطعام.

  • المعالجون السلوكيون: إذا كان طفلك يعاني من سلوكيات غذائية حادة، فيمكن للمعالج أن يقدم استراتيجيات مصممة خصيصًا لتوسيع نظامه الغذائي دون ضغوط.

  • الدعم الطبي المستمر: تساعد المتابعة المنتظمة مع مقدمي الرعاية الصحية على تتبع التقدم وتعديل الخطة مع نمو طفلك وتغيره.

الأسئلة الشائعة (FAQ)

س: كيف أفرق بين الحساسية وعدم تحمل الطعام؟

 الحساسية تسبب رد فعل فوريًا، مثل: الطفح الجلدي أو ضيق التنفس، بينما عدم تحمل الطعام يسبب أعراضًا تدريجية، مثل: الغازات، الصداع، أو تقلب المزاج.

س: متى أحتاج لزيارة الطبيب؟ 

عند ملاحظة تدهور مفاجئ في السلوك بعد الأكل، أو ثبات الوزن لفترة طويلة، أو وجود مشاكل هضمية مزمنة.

س: ما هي الخدمات التشخيصية المتاحة؟

 يمكن اللجوء للتحاليل المخبرية المتخصصة (IgG food sensitivity test) تحت إشراف أخصائي الحساسية.

نحو نهج التكامل بين الرعاية الطبية والدعم الأسري

إن فهم عدم تحمل الطعام لدى الأطفال المصابين بالتوحد يُعدّ من أهم الأدوات التي نمتلكها لتحسين صحتهم وسلوكهم ونوعية حياتهم؛ فبالرغم من أن أوقات الوجبات قد تختلف في منازلنا، إلا أنها لا يجب أن تكون مصدرًا للتوتر.

تذكري أنكِ لستِ وحدكِ في هذه الرحلة، فهناك برامج دعم أسري وتطبيقات متخصصة لتتبع الطعام والأعراض تضع الحلول بين يديكِ. بالبقاء فضوليين، والمراقبة الدقيقة، وطلب الدعم من أخصائيي التغذية والمعالجين، نستطيع مساعدة أطفالنا على الشعور بتحسن حقيقي من الداخل إلى الخارج، إن الخطوات الصغيرة التي تتخذينها اليوم تؤدي إلى تغييرات كبيرة ومستدامة، وكل جهد تبذلينه هو حجر زاوية في صحة طفلك واستقراره.

الآن، أخبرينا في التعليقات: هل لاحظتِ يوماً ارتباطًا بين نوع معين من الطعام وسلوك طفلك؟ تجربتكِ قد تكون الضوء الذي يحتاجه والد آخر اليوم.

 

المصادر:

  • primescholars.com

  • ijponline.biomedcentral.com

  • pmc.ncbi.nlm.nih.go





 

(0) التعليقات

    لاتوجد تعليقات

اترك تعليقا

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك

اشترك الآن في النشرة البريدية لتصلك أحدث المستجدات العلمية وآخر التحديثات التدريبية